ابو القاسم عبد الكريم القشيري
14
نحو القلوب
منهم في الصدر الأول فدائيو الإسلام والصناديد الذين قاموا بالفتوحات الإسلامية شرقا وغربا يقتلون ويقتلون ، حتى جعلوا ظلام الأرض نورا ، وحولوا جهلها علما ، وقلبوا ظلمها عدلا ، فكتائبهم موصولة بالله ، وألويتهم حول راية القرآن معقودة ، ومواقفهم في الثغور الإسلامية لصد غارات الأعداء والطارئين معروفة ، فأعينهم ساهرة في ( الرباطات ) ، لا تعرف للنوم طعما ، ولا للراحة سبيلا ، ومثلهم الأعلى سيدنا محمد رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم الذي تحمل أثقل الصعاب وأشق الكفاح : « إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا » كما نشروا الفكر الإسلامي في ربوع المعمورة ، فكان منه المعلمون ، والأساتذة والرواد الذين حملوا مشاعل الثقافة في كل اتجاه يعلمون ويربون ويهذبون . وإليك صورا متألقة من حياتهم ومجاهداتهم ، ومذاقاتهم ، للاهتداء والاقتداء : ( * * ) يقول الشبلي « أنا المأخوذ بجرائم الخلق » وهذا جانب من الفتوة الصوفية حيث يتحمل وحده أخطاء مجتمعه » . ( * * ) وكان أكثر دعاء إبراهيم بن أدهم وهو من أبناء الملوك : « اللهم انقلنى من ذل معصيتك إلى عز طاعتك » .
--> وبلاد ما بين النهرين ، وفي إسبانيا ، لصد غارات المغول والبيزنطيين والإفرنج ولم يكن ( الرباط ) مركزا حربيا فحسب ، بل كان دينيا أيضا ، لا سيما بعد أن امتزجت الفتوة بالصوفية ، ومن هنا وجدنا الفتوة تتلاقى وتتصافح مع الصوفية وذلك في كثير من : خصالها ، وتعاليمها ، وقوانينها ( انظر : الفتوة . تأليف ابن عمار البغدادي . تحقيق د . فؤاد حسانين القاهرة 1959 ) بدليل وجود مؤلف سنة 612 ه / 1216 م لأحمد بن الياس النقاش ، يسمى ( تحفة الوصايا ) عالج فيه ( الفتوة ) من الجانب الصوفي ، كما أن القشيري عقد بابا في رسالته الصوفية المشهورة سماه ( باب الفتوة ) . هذا ، وقد تلقفت أوروبا في العصور الوسطى نظام الفتوة من المسلمين حين تم الاتصال بيننا وبين الإفرنج والنورمنديين والصليبيين في إسبانيا وصقلية وفلسطين حيث نقل شباب الإفرنج واستعار نظام الفتوة الإسلامية ومثلها العليا وطبقوه عندهم باسم ( فروسية الإخوان ) حتى صار الغرب يزهو بهذا الخلق ويدل على جميع الحضارات - وهو أصل من تراثنا وأمجادنا .